آسيا
محمد خواجوئي
الأربعاء 31 كانون الأول 2025
لا يُستبعد لجوء إسرائيل إلى مغامرة عسكرية جديدة خلال أقلّ من عام (أ ف ب)
طهران | تكشف تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال لقائه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مساء أول من أمس، عن توجُّه أميركي واضح لمنح غطاء سياسي لأيّ هجوم إسرائيلي جديد على إيران. وتتساوق هذه التصريحات في سياق سياسي وأمني أوسع، عنوانه سعي إسرائيلي إلى إعادة وضع «التهديد الإيراني» في صدارة أولويات الولايات المتحدة. وبحسب التقديرات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية، فإن نتنياهو نجح مجدّداً في توظيف الموقف الأميركي خدمةً للأجندة الإسرائيلية، واضعاً مسألة «إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية» في واجهة النقاش الأمني بين الجانبَين. كما أن تصريحات ترامب، التي ربط فيها أيّ تحرّك عسكري أميركي أو إسرائيلي بعودة إيران إلى تطوير برنامجَيها الصاروخي أو النووي، جاءت مطابقة لِما تتحدّث به إسرائيل.
والواقع أن هذه المواقف لا توحي بمجرّد تضامن سياسي مع تل أبيب، بل قد تعكس عمليّاً تفويضاً كاملاً لشنّ هجوم ثانٍ على طهران. ومن هذا المنطلق، يمكن القول، إن الزيارة حقّقت أهدافها الرئيسة بالنسبة إلى نتنياهو، الذي سعى إلى تأمين دعم أميركي غير مشروط لمواجهة تعتبرها إسرائيل امتداداً مباشراً لحربها المفتوحة على محور المقاومة. وإذ يسعى الكيان الإسرائيلي، بالتعاون مع الإدارة الأميركية، إلى تثبيت سردية مفادها أن إيران في صدد إعادة بناء منشآتها الصاروخية والنووية، بما يسمح بتسويق أيّ ضربة جديدة ضدها على أنها «إجراء وقائي»، فقد أعاد ترامب بنفسه تسويق منطق «الضربة الاستباقية». فهو توعّد بأن واشنطن «ستدمّر» هذه المنشآت في حال ثبتت صحّة التقارير عن إعادة إعمارها، ما يعكس تصنيف الجمهورية الإسلامية كهدف عسكري دائم في الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية المشتركة.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة لدى الطرفين بأن إيران تمرّ بمرحلة ضعف نسبي بعد حرب حزيران، وأن الفرصة لا تزال قائمة لتوجيه ضربة جديدة إليها قبل اكتمال عملية ترميم قدراتها الردعية. غير أن تلك الحسابات تصطدم بمؤشّرات ميدانية مغايرة، أبرزها المناورات العسكرية الواسعة التي نفّذتها طهران خلال الأسابيع الماضية، والتي فسّرتها تل أبيب وواشنطن على أنها رسالة واضحة مفادها أن الجمهورية الإسلامية تعمل على سدّ الثغرات وتعويض الخسائر وإعادة تنظيم قدراتها الدفاعية.
قد يتم اختيار توقيت أيّ ضربة مستقبلية، بما يضمن تزامنها مع ذروة التوتّر الداخلي
وفي ظلّ الاستحقاق الانتخابي في كيان الاحتلال، ورغبة نتنياهو في الظهور في مظهر القائد القادر على فرض وقائع أمنية جديدة، لا يُستبعد لجوء إسرائيل إلى مغامرة عسكرية جديدة خلال أقلّ من عام، وربّما قبل الانتخابات، في إطار محاولة تصفية حسابات أوسع مع محور المقاومة، وعلى رأسه إيران و»حزب الله». وفي حال تحقَّق هذا السيناريو، يُرجَّح أن تلعب الولايات المتحدة فيه دور الداعم الاستراتيجي الكامل، سواء عبر توفير المعلومات الاستخبارية، أو الدعم اللوجستي، أو الغطاء السياسي والدبلوماسي. ولا يبدو ذلك بعيداً من نموذج حرب يونيو، التي سبقتها محاولات لفرض «فرصة أخيرة» على طهران للقبول بشروط أميركية تشمل وقف التخصيب، والحدّ من القدرات الصاروخية، وتعديل السياسات الإقليمية.
وإلى البعد العسكري، برز في موازاة زيارة نتنياهو لفلوريدا، رهان على العوامل الداخلية الإيرانية؛ فاندلاع احتجاجات محدودة في عدد من المدن الإيرانية، على خلفية تراجع سعر صرف العملة وارتفاع الأسعار، ترافق مع تصريحات أميركية تسلّط الضوء على الوضع الداخلي، ما يشير إلى أن هذه التطورات تُدرج في إطار أدوات الضغط المُركّب الذي تعتمده واشنطن وتل أبيب. وتستند الأخيرتان إلى فرضية مفادها أن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يضع إيران في موقع أكثر هشاشة، ويخلق بيئة مناسبة لعمليات موازية، بما في ذلك تحرّكات أمنية سرّية، تتقاطع زمنياً مع أيّ تصعيد عسكري مُحتمل. وعليه، قد يتم اختيار توقيت أيّ ضربة مستقبلية، بما يضمن تزامنها مع ذروة التوتّر الداخلي.
في المقابل، تعتمد إيران، بحسب المؤشرات المتوافرة، سياسة مزدوجة تقوم على تعزيز الردع من جهة، وتوسيع هوامش التحرّك الدبلوماسي من جهة أخرى. فمن خلال تكثيف المناورات العسكرية وتطوير القدرات الصاروخية والمُسيّرة، تسعى طهران إلى رفع كلفة أيّ مواجهة عسكرية محتملة، في موازاة عملها على تحصين موقعها السياسي، من خلال تعميق علاقاتها مع موسكو وبكين. وفي السياق نفسه، تحرص طهران على تفعيل حضورها ضمن الأطر المتعدّدة الأطراف، كـ»منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «بريكس»، تأكيداً لحقّها في الدفاع عن سيادتها، وفي محاولة لقطع الطريق أمام عزلها سياسياً، في ظلّ تصاعد التهديدات الإقليمية والدولية.
ورداً علی تصریحات ترامب، کتب الرئیس الإیراني، مسعود بزشكيان، عبر حسابه في منصة «إكس»، أن «ردّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أيّ عدوان ظالم سيكون قاسياً وباعثاً على الندم». ومن جهته، أعلن مستشار المرشد الأعلی الإیراني، علي أکبر ولايتي، أن إيران ستواصل تطوير صناعتها النووية السلمية وقوّتها الدفاعية المشروعة من دون أيّ مساعدة خارجية. وقال ولايتي، أمس، إن «الرئيس الأميركي يدرك جيداً أن إيران بحضارتها العريقة وقيادتها الحكيمة وشجاعة شعبها هي واحدة من الدول القوية والمستقلّة في العالم»، مؤكداً أنها «ستواصل دائماً دعم السلام والاستقرار في المنطقة».